يشار كمال
يشار كمال

مدير وكالة قاسيون للأنباء

سوريا .. إلى المزيد من الجحيم

قاسيون ـ يشار كمال

لا يختلف إثنان على أن الضغوط الغربية التي بدأت تتصاعد على النظام السوري ، منذ منتصف العام الماضي ، تندرج في إطار الاستراتيجية التي مارستها الدول الكبرى ، منذ بدء الثورة السورية في العام 2011 ، والتي تقوم على دعم طرف حتى يضعف الطرف الآخر ، ومن ثم العكس ، سعيا وراء استمرار الأزمة أطول فترة ممكنة ، وبما يؤدي إلى إضعاف جميع الأطراف ، ومن ثم التمهيد لتنفيذ المخططات الغربية المرسومة لهذا البلد ، والقائمة بالدرجة الأولى على تقسيمه وتفتيته طائفيا وعرقيا ومناطقيا إذا أمكن .

فحوى الكلام السابق يعني بأن المنتظرين والمتأملين من جانب المعارضة ، بحل قريب للأزمة السورية ، بضغط من الدول الكبرى ، ووفقا لتصوراتهم ، إنما هو استمرار للوهم الذي لازالوا يعيشون عليه منذ عشر سنوات ، وهو أن هذه الدول سوف تزيل نظام الأسد ، وتجلسهم مكانه بمنتهى البساطة .

ولا يخرج عن الإطار ، فكرة المجلس العسكري ، التي ظهرت فجأة ، وبدأ الآخرون يصورونها ، كما لو أن هناك توافقا دوليا قويا لتشكيله ، بهدف إحلاله مكان النظام ، لقيادة المرحلة الانتقالية وفقا لقرار جنيف 2254 ، بينما على أرض الواقع فهناك الكثير من المستحيلات التي تمنع قيام مثل هذا المجلس ، وأبرزها الموقف الروسي ، الذي أعلن صراحة أنه لن يدعم فكرته ، ولن يضغط على النظام للتنازل عن السلطة لصالحه ، بل إنه سيعمل ما بوسعه لمنع تشكيله .

نفهم من ذلك أن هناك دوامة أخرى يريد المجتمع الدولي إدخال السوريين فيها ، بعدما تسرب اليأس إلى نفوسهم ، مع تمكن النظام السوري من فرض واقعه على الجميع ، بدعم روسي و إيراني ، فيما المطلوب الآن ، هو إضعاف هذا النظام ووضعه تحت الضغوط من جديد ، مقابل تقوية المعارضة وإيهامها بأن الغرب يدعمها لتنفيذ القرارات الدولية .

يصعب في مثل هذا المقال ، شرح الاستراتيجية الدولية أو المخطط الدولي الخاص بمنطقة الشرق الأوسط ، والذي ينفي بالمطلق رغبته بإيجاد حل للأزمة السورية ، بل إن من مصلحته استمرار هذه الأزمة إلى عشرات السنين وربما عقود ، لأن الهدف باختصار ليس سوريا ، وإنما محاصرة الدولة التركية ، ومنع تكرار تجربة الدول العثمانية ، من خلال تفتيت جميع دويلاتها السابقة ، و محاصرتها من جميع الجهات ، بالإعداء المحتملين .

من هذا المنطلق ، نرى أن الحديث عن حل وشيك للأزمة السورية ، أو البدء بتحرك المجتمع الدولي لمحاسبة نظام الأسد على استخدامه الكيماوي ، كما أعلنت فرنسا اليوم ، هو على الأغلب حركات استعراضية ، الهدف منها جلب المزيد من القوى الدولية إلى الأرض السورية ، وبالذات القوى التي تناصب تركيا العداء ، وتناهض مشروعها في إعادة إحياء امبراطوريتها العثمانية السابقة .

ولا بد أن نشير ، بأن الغرب يعمل بحرفية بالغة على هذا الأمر ، فهو بعدما استشعر تقاربا بين تركيا والسعودية ودول الخليج بشكل عام ، عمل على الفور على إثارة قضية خاشقجي ، وبشكل يبقي السعودية تحت الضغط الدولي ، والتي كانت قد أعلنت سابقا وبشكل مفاجئ مع الإمارات في العام 2017 ، العداء للدولة التركية ، دون أن يكون هناك أسباب منطقية لهذا العداء ، لكن كما هو واضح ، أن دول الخليج تريد وقف التمدد الإيراني في سوريا ، لمنع محاصرتها من الشمال ، بينما الغرب يقوم مشروعه الأساسي على محاصرة تركيا من الجنوب بدولة شيعية وأخرى كردية .. لذلك أبدت دول الخليج استعدادها لمعاداة تركيا ، مقابل منع إيران من التمركز في سوريا والسيطرة عليها ، مع دعم مشروع قسد في تأسيس الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا .. وعندما اتضح أن الغرب لا يفعل شيئا اتجاه التمدد الإيراني في سوريا ، سوى بعض الحركات الاستعراضية والتصريحات الجوفاء ، بدأت السعودية بالتفكير بإعادة علاقاتها مع تركيا ، في محاولة منها ربما للضغط على الغرب لفعل شيء عاجل اتجاه إيران ، إلا أن أما ما حدث ، أن أمريكا أشهرت على الفور سلاح خاشفجي في وجهها ، في رسالة واضحة بأنها أضعف من أن تقوم بمثل هذه الحركات . 

وسط هذا الواقع الاستراتيجي ، قد يتساءل البعض : ما الحل بالنسبة لسوريا .. ؟

الإجابة المؤسفة على هذا السؤال ، أن سوريا ذاهبة إلى المزيد من الجحيم ، لقدرها الجغرافي الذي حوله النظام من نعمة إلى نقمة .. وأخيرا إلى لعنة ..