يشار كمال
يشار كمال

مدير وكالة قاسيون للأنباء

إرهاب ممنهج يهدف لضرب العصب الاقتصادي للمناطق المحررة*

قاسيون ـ يشار كمال

من يتتبع مواقع التفجيرات الإرهابية التي تضرب مناطق الشمال السوري المحرر ، الخاضع لسيطرة الجيش الوطني ، لا بد أن يلفت انتباهه ، أن الهدف منها ليست إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار فحسب ، وإنما ضرب العصب الاقتصادي في تلك المناطق ، وبما يؤدي إلى توقف الأعمال فيها ، وهروب المستثمرين منها ، وخصوصا بعدما بدأ العديد من أصحاب الأموال في إطلاق مشاريع صناعية وتجارية مهمة ، وتشغيل عدد كبير من العاطلين عن العمل .

هذا الأمر يمكن ملاحظته من خلال سلسلة التفجيرات الإرهابية التي ضربت الشمال المحرر في الأيام الأخيرة ، واستهدفت مناطق حساسة فيه ، كالتفجير الذي استهدف المدينة الصناعية في مدينة الباب ، قبل ثلاثة أيام ، وأدى إلى مقتل مدني وجرح أربعة آخرين ، بالإضافة إلى باقي التفجيرات والتي استهدفت على وجه الخصوص مناطق الأسواق التجارية ، أو الحرف المهنية ، حيث الاكتظاظ البشري ، وبما يؤدي إلى أضرار كبيرة في الأرواح والممتلكات .

إذا ، وكما هو واضح ، فإن الجهة التي تقف وراء هذه التفجيرات الإرهابية ، تعمل وفق منهجية ، تهدف للضغط على تركيا بالدرجة الأولى ، التي تعمل على رعاية هذا الشمال وتسعى لإشاعة الاستقرار فيه ، من خلال دعمه بالمشاريع التجارية ومشاريع البنى التحتية ، وبالتالي دفع السوريين المقيمين في تلك المناطق لترك منازلهم وأعمالهم ، والهرب إلى تركيا .

وهناك أيضا هدف آخر للجهات المنفذة لتلك التفجيرات الإرهابية ، وهو ضرب فكرة الجيش الوطني السوري ، وإظهاره بصورة غير القادر على ضبط الأوضاع الأمنية في المناطق التي يسيطر عليها ، وتحريض الأهالي للإنقلاب ضده ، وقبول بفكرة إعادة سيطرة النظام أو الروس على تلك المناطق .

هذا يعني أن الجهات المستفيدة من هذه التفجيرات أو التي تقف خلفها ، كثيرة ، منها النظام ، والمجموعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني ، وأخيرا داعش .. فجميع هؤلاء لهم مصلحة فيما ذكرنا سابقا ، وبالذات الضغط على تركيا . ودفعها للتخلي عن التفكير مجددا بتحرير المزيد من المناطق في الشمال السوري ، أو حتى الهرب من المناطق التي تقوم بالإشراف على إدارتها .

لكننا في هذا المجال ، وحتى لا نغوص بقضايا استراتيجية كبيرة ، نود أن نتوقف قليلا عند التفجير الإرهابي الذي ضرب المدينة الصناعية في مدينة الباب مؤخرا ، وحاول منفذوه إيقاع أضرار كبيرة في المنشآت والممتلكات ، وبطريقة يمكن وصفها بأنها لئيمة وقذرة .

فكما هو معروف أن المدينة الصناعية التي تبعد عن مدينة الباب نحو خمسة كيلومترات ، تم إنشاؤها عام 2018، وهي تقوم على 561 كيلومترًا مربعًا، ويبلغ عدد المصانع فيها قرابة 15 مصنعًا ، و يعمل فيها مئات العمال ، الذين يعيلون عشرات الأسر .

وفكرة المدينة الصناعية بحد ذاتها ، يعول عليها أن تكون نواة لنهضة اقتصادية مهمة في الشمال المحرر ، من خلال جذب المستثمرين لإقامة منشآتهم فيها ، وتشغيل المزيد من اليد العاملة .. وقد بدأ بالفعل العديد من رجال الأعمال السوريين المتواجدين في تركيا ، يبدون اهتمامهم للانتقال إليها . غير أن منفذي هذا التفجير ، ربما يأملون أن تتوقف الحركة الاستثمارية في المدينة الصناعية ، أو حتى دفع أصحاب الأموال والمستثمرين المتواجدين فيها ، للهرب منها .

إلا أنه بحسب ما أكد لنا المسؤولون عن الأمن في مدينة الباب ، فهم من الآن وصاعدا سوف يولون أهمية أكبر في تأمين المرافق الحيوية ، التي يعتاش الناس عليها ، وذلك عبر زيادة الإجراءات الأمنية حولها وبالقرب منها .

ومن جهتنا نأمل من تلك الجهات أن تقوم بالفعل ، بكل ما يلزم ، لحماية أرواح الناس في مناطق الشمال المحرر وممتلكاتهم ، لأن الأمر زاد عن حده ، وخصوصا أن هناك من يتصيد فقط أخبار تلك التفجيرات والفلتان الأمني ، ولا يريد أن يرى في ذلك الشمال إلا الفوضى وعدم الاستقرار ، بينما على أرض الواقع ، وكما ذكرنا في مقال سابق ، فإن هناك من الأعمال ، ما يستحق تسليط الضوء عليه ، لكن للأسف ، عندما تسيل الدماء ، فليس بوسعك أن تتحدث عن شيء آخر ، غيرها ..