loader
د. عامر المصطفى
د. عامر المصطفى

باحث لغوي متخصص في لغة الأخبار والإعلام - دكتوراة في اللغويات

نتفليكس ... الرفاهية المسمومة

هل هذا التنوع الهائل في نوعية المحتوى الذي تعرضه شبكة نتفليكس هو رفاهية فعلاً؟ 

 أم عسل مسموم في منازلنا قد يفتك بأفئدتنا في أي وقت؟

فمنذ انطلاقتها بحلتها الجديدة في عام 2016، دأبت شبكة نتفليكس الأمريكية على تقديم محتوى متنوع جداً في أكثر من 100 دولة لكن تشوبه كثير من التساؤلات، فلقد كان الفن سابقاً يتناول الشذوذ الأخلاقي والديني على استحياء وعلى سبيل تذكير الناس بعواقبه وتحذيرهم من مغبة الانخراط بمستنقعه، لكن الجديد في الأمر هو أن نتفليكس تعرض الواقع الصعب من تجارة مخدرات، وعالم غسيل الأموال، وحب السلطة والسيطرة على الآخرين والشذوذ الجنسي والمساس بالقيم المجتمعية والدينية بشكل "جمالي منمّق" ضمن قالب درامي مشوق، وكأن هذا الانحراف شيء جميل يجب على الشباب تجربته. لقد قلبت نتفليكس الطاولة على كل ما هو مألوف في عالم الفن، فلم يعد يظهر "الخمورجي" كثّ الشعر سيئ الطباع، ومدمن المخدرات لم يعد يظهر كمشروع منتحر يخرب بيته بيده في سبيل متعة وهمية زائفة، والشاذ أصبح يظاهر الناس بشذوذه جهاراً نهاراً ويتم تقديمه كجزء طبيعي من المجتمع، والأدهى من ذلك أن من يرفض سلوك الشواذ؛ تصوره الشبكة على أنه متخلف "فكرياً وإنسانياً".

لا يقتصر مساس نتفليكس بالقيم الدينية على ديانة بعينها أو مجتمع بعينه، فلقد تناولت الشبكة معظم المعتقدات والديانات بما فيها المسيحية والإسلامية (أي أنها أساءت لمعتقدات أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية)، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عرضت الشبكة فيلما ساخراً عنوانه ""The First Temptation of Christ، ويعني "الإغواء الأول للمسيح"، ويصوّر الفيلم الذي تبلغ مدته 46 دقيقة سيدنا عيسى عليه السلام على أنه شاذ جنسياً، وأظهر والدته السيدة العذراء كمدمنة للحشيش، مما تسبب بموجة غضب عارمة وخصوصاً في البرازيل (مكان إنتاج الفيلم)، حيث وقّع أكثر من مليوني شخص على عريضة تطالب الحكومة بوقف نتفليكس في البلاد. وفي مسلسل آخر عرضته الشبكة بعنوان "Spartacus" أو "سباراتاكوس"، وعلى الرغم من أن المسلسل يتحدث عن ثورة العبيد في العصر الروماني، إلا أن الشبكة أسرفت في إقحام مشاهد إباحية فاضحة لا داع لها يتخللها مشاهد شذوذ جنسي مقززة بعيدة كل البعد عن فكرة المسلسل، طبعاً بالإضافة إلى مشاهد سفك الدماء المبالغ فيها والتي صُممت بطريقة احترافية تجعل المشاهد يستسيغ منظر الدماء والإيذاء الجسدي. أما أخطر ما جاءت به شبكة نتفليكس مؤخراً فهو عرضها إعلان لفيلم (Cuties) والذي يروج للتحرش الجنسي بالأطفال أو ما يعرف ب (بيدوفيليا أو Pedophilia)، مما أثار موجة غضب عارمة ضد الشبكة وأجّج مطالبات بوقف بث الشبكة مما اضطر الشبكة لتقديم اعتذار رسمي وإلغاء عرض الفيلم.

أما بالنسبة للشرق الأوسط والعالم الإسلامي، سلكت نتفليكس ذات النهج عبر إقحام كل ما يتعارض مع العقائد والقيم الأخلاقية في أعمالها، وعملت على هدم كل ما هو مقدس بالنسبة للمشاهد العربي أو الإسلامي، فعلى سبيل المثال، في مسلسل "رجل المعجزات" طرحت الشبكة فكرة عودة المسيح بطريقة غير تقليدية وبشّرت بديانة العولمة، وعملت على نسف مفاهيم ومعتقدات راسخة في المجتمع الشرقي، طبعاً ناهيك عن الإيحاءات الجنسية والترويج للتطبيع والهيمنة الغربية. أما مسلسل Rise of Empires Ottoman "السلطان محمد الفاتح" فلقد كان مثالاً صارخاً للكيدية الذكية التي تتبعها الشبكة. فعلى الرغم من أن المسلسل وثائقي ويتحدث عن فتح القسطنطينية (إسطنبول حالياً)، إلا أن الشبكة عمدت إلى محاولات تقزيم عبقرية السلطان محمد الفاتح رحمه الله التي خلدها التاريخ والتي لا يختلف عليها اثنان في أرجاء المعمورة. فلقد قدمت الشبكة السلطان الفاتح كشاب متهور ومتردد ولا يثق بمن حوله وخصوصاً بالصدر الأعظم رئيس وزرائه (خليل باشا الجاندرلي)، حتى فكرة نقل السفن عبر البر من أجل الالتفاف حول المدينة، والتي أشاد العالم بعبقريتها، صورها المسلسل على أنها فكرة عادية لم تؤثر كثيراً على مجريات الأحداث، ليخلص المسلسل في النهاية إلى أن فتح القسطنطينية كان أشبه بالصدفة بعد محاولات عديدة استنفذ فيها السلطان كل إمكانياته وغامر بآخر ورقة لديه (قوات النخبة من الإنكشاريين). وتكمن جدلية هذا المسلسل في كونه يلامس جزءاً حسّاساً بالنسبة للمسلمين، فالرسول الأعظم عليه صلوات الله وسلامه بشّر بفتح المدينة، وأشاد بالجيش الذي يفتحها وبقائده، ونحن كمسلمين نرى في السلطان محمد الفاتح القائد العبقري الفذّ التقي الورع وهو مصدر فخر لنا جميعاً. وهناك عشرات الأمثلة لمسلسلات وأفلام أخرى في نتفليكس تجاوزت كل حدود المعقول وروّجت بطريقة خبيثة جداً لجميع أشكال الانحلال مثل الخيانات الزوجية والشذوذ والمخدرات والخمور والإيذاء الجسدي والنفسي.

إن ميزانيتها الضخمة (17 مليار دولار خلال عام 2020 فقط، بينما ميزانية “ديزني" لذات العام بلغت حوالي 2 مليار دولار)، وطريقة تجاوزها للخطوط الحمراء فرضا حولها طوقاً من الشكوك فيما يخص الغايات والأهداف التي تحاول الشبكة الوصول إليها. فما الذي يجعل نتفليكس تصرف كل هذه المليارات وتسخّر كل إمكانياتها لهدم كل ما هو مقدس وتشويه كل القيم الأخلاقية والإنسانية؟ هل الهدف ربحي بحت وطريقة مبتكرة لجذب اهتمام الناس من خلال مخالفة المألوف وكسر الحواجز؟ أم للشبكة غايات أخرى تسعى من خلالها إلى تدمير القيم والمعتقدات لتقوم بهندسة وصناعة قيم مغايرة وديانة عولمة جديدة تتوافق مع رؤية الشبكة ورؤية من يقف وراءها ويصب المليارات صباً من أجل إنجاح مشروعها؟

يحدث كل ما سبق في ظل ظروف صعبة جداً تمر بها البشرية، فالحروب والكوارث والأوبئة أثقلت كاهل البشر بشكل عام والسوريين بشكل خاص، وكان من المنتظر أن تكون الدراما وسيلة لتصوير همومهم وإيصال معاناتهم عبر قالب درامي يعكس الواقع، لكن أن يقوم "الفن" بتدمير وتفكيك ما تبقى من قيم وروابط مجتمعية، ويروج للانحلال والتفسخ فهو أمر يصعب تفسيره.

  • المزيد من مقالات الكاتب