محمد العويد
محمد العويد

صحفي وكاتب سوري 

مكاشفات من زمن مضى*

قاسيون ـ محمد العويد

بلغت دعوى للمثول أمام القاضي بالقصر العدلي بدمشق، لم ادخله بحياتي، لا زائرا ولا مرافقا، ارتجف جسمي، سألت الشرطي ما الموضوع، فقال إنه لا يعرف ، ما زادني ارتباكا، فأنا تعلمت مبكرا "المشي جنب الحيط ويا رب الستر".. سألت في اليوم التالي مخفرنا ثم بعض الاصدقاء في القصر العدلي بدرعا، لكم لم يجبني أحد ..

 الدعوى مقامة بدمشق باسم فلان، لا اعرفه من يكون ، ولم أكن أعرف إن كنت شاهدا فيها أم متهما ، وإذا كنت هذه الأخيرة ، فلم أكن أعرف ما هي جريمتي ..؟!

سألتني القاضية " انت الناشر..؟ أجبت : نعم ، بعد قراءة خبر صحفي مضى عليه شهورا، وانا اكتب يوميا، انام وأفكر بعنواني لليوم التالي.. كانت الوطن السورية أول صحيفة سياسية تكسر التقليد، والرتابة والنمطية، فتلون اخبارها المهمة من المحافظات وتنصبها في الصفحة الأولى، "بالبنفسجي"كنت احلم، تغريني، تشدني، هلوسة، بعد سنوات من البؤس، في البعث والشبيبة وسانا.

معك قرار او وثيقة تثبت صحة المنشور سألتني القاضية؟.

"لا المحافظ قاله لي شخصيا وهو مسؤول عن كلامه انا نقلت عنه فقط"

مساء كنت ببيت الرجل، أحاول استرضائه ببعض العواطف، لكن اخاه محاميا، نحاكيه بالاهلية يطلع بنصوص قانونية، أحاول واصدقائي نشرح له القصة فيها خراب بيوت، يرد" كل يتحمل نتائج عمله"، عرضنا عليهم الرد والتوضيح وهذا حقهم رفضوا إلا بالمحاكم وجلساتها وتعويض من الجريدة، والاخيرة حكما ستطردني .

كان فيصل كلثوم محافظ درعا ملكي أكثر من الملك، لم افهم كثيرا من يقف خلف الرجل، كان انقلابيا على الجميع، الحزب، عاطف نجيب، المنظمات، الكبار في المحافظة بدمشق، كان متفردا بحكم قانون الطوارئ" الحاكم العرفي" أو "خلقة ربه هيك"، سلطة مطلقة،"جرافة" لا أحد يستطيع مقارعته، كل من نازله خسر وانطوى .. في المشهد اليومي حولي، قلت "بطيخ يكسر بعضه" كانوا بصمجية فجاء من يبصم عليهم، ولست سياسيا فأصلح بينهم، صحفي يبحث عن خبر مثير، يحرك الرتابة، يكسر المألوف،حالما بالصفحة الأولى، فوجدت دون وعي لخطورة ما يجري وقد بت أشبه بناطق رسمي، لكني دوما اتحرك بالهوامش، أوجد متسائلا وسط القرار، اربط الخلفيات، اثير ترحيب او اسئلة الناس وليس" استياءهم" فذلك خط أحمر.

كان قد أقال كبار رؤساء مجالس المدن، وأرسلهم للقضاء، حتى رئيس مجلس مدينة المركز درعا، وكان يحتاج لأخضر الأسد، والمسالمة ابن اكبر عشائرها، وتتداخل العائلة مع" البجابجة"نسبة للقيادي القطري ابو جابر بجبوج ثم القومي، وبعض تعاطف "نجيب" حينها إلا أنه نال الاخضر فأنهى"المسالمة" بضربة قاضية .

في ندوة معدة لفيصل المقداد كنائب للخارجية، في المركز الثقافي بدرعا، تغيب كلثوم قصدا، بجولة مع غالبية المدراء المعنيين بالقطاع الخدمي والزراعي، ففرغت الندوة إلا من البعثيين ممن لا يوالون كلثوم وكانوا قلة حتى بفرع الحزب.

كانت لحظة مفاضلة صعبة لصحفي، للتو بدأت اموره" تكرج " ، أحضر عند جاري وقريبي المقداد، ام ألحق "البنفسجي" واكسب تصريح غير متوقع يحجز على الصفحة الأولى بالوطن، لم يكن خياري بالمطلق، فقد بلغني المكتب الصحفي وجوب الحضور، وأسررت بنفسي، المقداد زيارة قد لا تتكرر لسنوات، ولغة السياسة الخشبية كرهها الناس، لأبقى إذا ب "قناة تسكسك ولا وادي ينتقطع".

تبلغت موعد الجلسة الثانية أمام القاضية، لا وثيقة بين يدي اقدمها فأنجو، راجعت سجلات المحافظة وقراراتها وجدت قرار إقالة رئيس بلدية قرية جباب او جوارها، دون توضيحات".

قدمته بالجلسة، لكن الرجل أخرج كتابه الذي يقول فيه إنه بعث للمحافظة رغبته بإنهاء تكليفه لوضعه الصحي، والكتاب مسجل ورقم وتاريخ وديوان، فيما كنت قد أشرت في خبري أن "مدحلة الفساد تواصل سحق من يقف امامها" رابطا إقالة الرجل بأرقام من سبقه وكانوا تجاوزا ال٤٧.

فطالب القاضية عبر موكله، بمحاسبتي على تهمة إساءة له في وسطه المجتمعي، وعكرت حياته، وتسببت بواقعة صحية وكله بوثائق.

انتظرته خارج المحكمة مكسورا، أريد الخلاص ولا أريد للقصة أن تكبر ، قبلت يده مثل القادمين من الحج والعمرة، وحلفت له إنه سيدمرني بقصة ليس لي ذنب فيها ، وكلثوم هو من قال ذلك لي واجتهادي ببعض الكلمات ليس سوى للتشويق وووو .

ردد ما قالته القاضية : أمامك الجلسة القادمة، تحضر ما يثبت حروفك او تنال عقابك او ترضي صاحب الادعاء فيسحب دعواه ويسقط حقه"

مشيت في شوارع المدينة شاردا، مرة أشد الكرافيت واقول :" مو معقول شو سجن" .. وأتباع : انا ناقل فقط وعن محافظ، "يروحوا يحاسبوه هو" ؟؟ ومرة انزع ربطة العنق بعصبية، واجلس على الرصيف ادخن حتى اعمل غيمة فوق رأسي : " العمى والله ضعت وما حدا سمى عليك".

طلبنا مقابلة كلثوم ولم تتح الفرصة، كان يواصل ما بدأه، فقد أصدر وزير الصحة قرارا بإقالة مدير صحة درعا وكلف طبيب من الحريرية بدلا عنه، ضرب كلثوم طاولته أمام زواره بحسب ما روي لي، متصلا على الحريري ألا يغادر مكتبه بمدرسة التمريض، ثم بمدير الصحة ألا يغادر مكتبه، ثم بدمشق لوقف القرار وطيه، معركة "فيلة" ضعت مع ملحقاتها كالعشب.وأي مغامرة بخبر، فإن "العرفي" ينتظرني، فوق الدعوى القضائية التي تنتظرني.

تذكرت نصيحة لأحد الأصدقاء الصحفيين : لا تستهينوا بالكلمات فحبرها لا يجف بالتقادم، يشبه حق الضحايا .