loader
الأحد 19 حزيران 2016 | 7:36 مساءً بتوقيت دمشق
  • ريجيس دوبريه... كل الرجال العظماء رجال تعساء

    ريجيس

    تشبه حياة ريجيس دوبريه، المفكّر والكاتب، أعماله إلى حد كبير؛ فهي تكتسي طابعًا جذّابًا لا يقاوم، وعمقًا وأسلوبًا فريدين من نوعهما. حياة زاخرة بالأحداث، وبالغوص فيها سنتعرّف على مدى حبّه للعمل، شغفه بالتاريخ، وعلى لقاءاته الملحمية ورحلاته التي لا تحصى ولا تعدّ… في الماضي كما في الحاضر، فإنّه لا يزال مرتحلًا وإنسانًا معاصرًا متطلّبًا وقلقًا.

    سيّد ريجيس دوبريه، إذا كان هناك كلمة يكتنفها الضباب الكثيف ومصدر لسوء الفهم فهي العلمانية. العلمانية في صحيفة (فوليو، دار غاليمار)، بالاشتراك مع ديدييه لاسكي، تصرح أنّ “الضبابية تغذي الذئاب، والمماطلة تتسكّنهم”. فكيف بالإمكان تخطي هذا الارتباك؟

    ريجيس دوبريه: لا يوجد تعريف رسميّ للعلمانية وذلك لسبب بسيط هو أن القانون التأسيسي عام 1905 المتعلق بالفصل بين الكنيسة والدولة لا يأتي على ذكرها. لا يتم استخدام كلمة العلمانية حقًا في تشريعاتنا إلا في عام 1984، في قانون التعليم الزراعي. إن ّعدم وجود تعريف لديه ميزة: الكلّ يفهمها حسب انتماءاته ووفقًا لتوجهاته. وربما أفضل تعريف لها كان من قبل المقاوم البروتستانتي، أندريه فيليب في الجمعية التأسيسية عام 1945. أي أنّ “الإطار العلماني يوفّر وسيلة للتعايش في إقليم واحد لمجوعة من الأفراد الذين لا يتشاركون العقيدة نفسها بدلًا من تركهم في فسيفساء من المجتمعات المغلقة على نفسها ويستبعد بعضها بعضًا. وهذا في حدّ ذاته كافٍ. أولًا الإطار: إذ بإمكاننا ملؤه بالحكمة والروحانية كما نرغب، ثانيًا الإقليم: وهو الجذور الإقليمية، أي أمّة. نحن لسنا بصدد التعامل مع الأخلاقيات بل مع الإطار القانوني. أجد من الرائع أنه في عام 1945 تم التكهّن بما سيكون عليه حال العالم اليوم. العلمانية وجدت لتفادي هذه الفسيفساء، ليس بصفة نهائيّة ولكنّها تغذّي الغضب الطائفي. العلمانية هي التعايش الذي لا يدّعي وضع أيديولوجية. العلمانية تعطي التفوّق إمكانية الإدارة الذاتية تمنح الجميع الحرية طالما أنهم يحترمون قواعد اللعبة.

    سيّد ريجيس دوبريه، في صحيفة (الإنسانية) في عددها الصّادر في 2 أغسطس/ آب 1904، كتب جوريس أنّ “الديمقراطية والعلمانية هما وجهان لعملة واحدة لأنّ “الديمقراطية ليست سوى المساواة بين الجميع”. أنت تؤكد في هذا الدليل العمليّ أن “العلمانية هي فصل الإنسان الذي هو محل تجاذب بين الإله والقيصر أي الدين والسلطة بطريقة حذرة”. هل إن طبع العلمانية المسالم ومبدأ المساواة لديها قد اختفى؟

    ريجيس دوبريه: الجمهوريون في عام 1905 فضّلوا التحدّث عن العقائد لا الدّين. عن طريق استبدال كلمة بأخرى وإضفاء صيغة الجمع لكلمة عقيدة، تم القضاء منذ البداية على هيمنة الكنيسة الكاثوليكية. الطوائف هي على قدم المساواة. في ظلّ خطر تحويل العلمانية إلى ميدان ضيق أين تأتي الحكومات لتعطي لهؤلاء وأولئك إمكانية إشباع رغباتهم في حبّ الذات ومنحهم الطمأنينة التنظيمية والمالية. إنّ العلمانية تفترض سيادة العقل على العاطفة ومن ثم سيادة الدولة على المجتمع المدنيّ. العلمانية إذًا مرتبطة بأمرين: وجود سلطة مركزية قادرة على فرض معايير ولوائح للجميع، ووجود التعليم. ويبقى رهان العلمانية الأكبر هو المساواة في الحقوق للجميع، وحدة الجنس البشري ونشر المعرفة على مستوى عالمي. لا وجود للعلمانية إذا لم يكن بالإمكان إدراك الحقيقة الإيجابية. اليوم ومع ذلك فإنه من الخطر الفصل بين الخاص والعام من خلال خصخصة الجماهير، هذا فضلًا عن العدمية المعرفية التي تميل إلى وضع المعرفة والرأي في مستوى واحد.

    سيّد ريجيس دوبريه، في تدخل لك في “السنة كما تراها… الفلسفة” (فرنسا الثقافية تستنتج “أن عدد الدول العلمانية في تراجع ملحوظ”. فهل نعتبر هذا تحذيرًا؟).

    ريجيس دوبريه: نعم العلمانية هي في أزمة، حتى في فرنسا بسبب اختفاء السلطة العامة، وتزايد هيمنة القطاع الخاص على الجمهور. بل هي أيضًا في أزمة في جميع أنحاء العالم؛ حيث إن الدول التي قامت في الأساس على مبدأ العلمانية تعود لتصبح ثيوقراطية (حكومات دينية). ومن بين الأمثلة على ذلك: إسرائيل، تركيا، إندونيسيا، مصر بل والمكسيك التي كانت أول دولة علمانية حتى قبل فرنسا بفضل خواريز. العلمانية اليوم آخذة في الانحسار ويجب علينا أن نقاتل في سبيلها.

    سيد ريجيس دوبريه، في النّار المقدسة (غاليمار) نقرأ “عامل الإله يتم تفعيله أو إيقافه على أساس الهيمنة والغطرسة. الأبديّ والزائل كل منهما يعزف موسيقاه الخاصة، وتتشابك الألحان”. عبر إبرازك لثبات الظاهرة الدينية ألا يبطل ذلك أطروحة الخروج عن الدين؟

    ريجيس دوبريه: إن الديانة هو مصطلح لاتيني استعاره الفيلسوف ترتوليان في المؤسسة الرومانية . إن الديانة لا تسمح بفهم الدينية. الديانة التي ينظر إليها على أنها عبادة إله واحد، كتابات مقدسة، رجال دين وعقائد. إن اللاهوت لا ينطبق على أغلب العبادات، بما في ذلك تلك الديانات التي نصفها بالعلمانية أو المدنية.

    أنا أخشى كثيرًا كلمة الديانة، ويجب البدء بتفكيكها، أمّا كلمة عبادة فهي تبدو لي ملائمة أكثر. العبادة هي شيئان: تجمّع وشعائر، توجد عبادة حالما يوجد معتقد يضم حوله فئة من الناس، ويكون مرتبطًا بواقع ما أو بموضوع ماورائي (غيبي)، يمكن أن يكون أسلافًا، أحداثًا سابقة، آلهة أو شخصية. أنا لا أعتقد على الإطلاق بنظرية الخروج عن الدين، يجب الكفّ عن اعتبار الإنسان مجرّد كائن رمزي. الإنسان هو الذي يرسي الصّلة بين هذا العالم والعالم الآخر، يربط الحاضر بماضٍ ما أو مستقبل. لذلك سيكون هناك دائمًا ارتباط في المصير، وحياتنا ستفضي دائمًا إلى شيء ما. هذه الوظيفة الرمزية هي الحضن الذي تترعرع فيه العبادة التي ليست في حاجة للإله لتستمدّ وجودها.

    سيد ريجيس دوبريه، إنّ الكاتب والمثقّف ما فتئا يتعايشان في أعمالك. في عملك الأخير “السيدة »ت« أي تاريخ” (غاليمار) ينّم عن شغف متأصّل، متّقد، يملؤه الغيظ أحيانًا تجاه التاريخ. ماذا علينا أن نفهم بقولك “السيدة »ت« غادرتنا، هل نحن أرامل”؟

    ريجيس دوبريه: هناك العديد من القصص في التاريخ، هناك قصّة مسليّة، قصّة علميّة وقصّة فلسفيّة مع السيدة »ت« وأتحدث هنا عن تاريخ بطوليّ، ملحميّ يغذّي العمل والمخيّلة الجماعية كما أنه دعوة للخيال. أعتقد أن هذا التاريخ لم يعد موجودًا.

    أصبحت أوروبا الآن عبارة عن مقاطعة تابعة لأمريكا الشمالية. لقد قامت الحضارة الأوروبية على مبدأ أنّ الزّمان وليس المكان هو الذي يربط بين الأفراد، إنه العمق التاريخي الذي يجعل من “الإنسانيّة” إنسانيّة واحدة لا متعدّدة.

    أمريكا استبدلت المكان بالزّمان وقادتنا لم يعد لديهم الوعي التاريخي، السياسة انفصلت عن التاريخ لم تعد متصّلة بالاستمرارية الإبداعية. لقد أصبحت السياسة جملة من الهزّات الاقتصادية لاستبدال فئة بفئة أخرى. إنّ فكرة أنّ هناك واجب الانتماء والمنافسة مع الأسلاف لكي نكون ندًّا لهم وإتمام مسيرتهم لم تعد موجودة.

    سيد ريجيس دوبريه، هذه القصّة مرجعية بقدر ما هي طريفة وفي الواقع هي لاذعة. هذا الجانب يتجلّى بوضوح في الباب الذي تروي فيه قصة لقائك المزعوم بالجنرال ديغول. وإجابة عن السؤال: “ما هو التاريخ بالنسبة إليك؟ “تردّ قائلًا: “إنه ما يدمع عينيّ”. فهل إن التاريخ ممزّق ما بين الضحكات والدموع؟

    ريجيس دوبريه: هذا تعريف جيّد، إنّ التاريخ القصير يضحكنا ونحن بحاجة إلى الضحك أمّا التاريخ الكبير فهو يحزننا لأنه دليل على وجود شيء يفوقنا بكثير، إن كلّ ما يوحّدنا يتجاوزنا. وأنا سعيد أنك اكتشفت أنّ زيارتي لديغول كانت من وحي الخيال. قليلون هم الذين اكتشفوا ذلك لأنهم يجهلون التسلسل الزّمني. لقد توفيّ ديغول في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970 وفي تلك الفترة كنت أنا في السجن. إذا لم يكن من الممكن أن أكون قد التقيته.

    إنّ فكرة هذا الكتاب هي أنه يجب علينا الترحال إلى بعض الأماكن قرب بعض الأشخاص. إنه حلم يمكن أن يراودنا وهو وسيلة للتعبير عن عدم ملائمة الواقع للخيال أي بمعنى آخر الفشل. إنّه حلم قهري راودني عديد المرات، الحلم الذي يرفع أصابع الاتهام لذاته هو في الواقع رغبة.

    سيد ريجيس دوبريه، ها نحن نغازل “بهجة دون أمل” إذا كان العصر ميئوسًا منه أليست هناك أسباب ولو ضئيلة للأمل؟

    ريجيس دوبريه: كل الرجال العظماء رجال تعساء، يجب علينا البدء من هنا. كل الثّوريين مهووسون بالثورة، روبيسبيار وسان جوست كانوا يركضون خلف الجمهورية الرومانية، الشيوعيون يشتاقون إلى الأيام الخوالي 1793، لينين يسعى خلف باريس إلخ… إنّ الإنسان التقدميّ الحقّ يجب أن ينظر إلى الوراء. إن أملي الوحيد اليوم هو أن يتمّ تفادي انهيار فرنسا، وأن لا يفضي تموقعها الحالي بالنسبة إلى الحضارة الأمريكية إلى وضع الثقافة الفرنسية تحت وصاية هذه الأخيرة. اليوم أجد نفسي مجبرًا أن ألاحظ أن عملية الضمّ هذه جارية. ولكن هناك دلائل على المقاومة، الصمود والتمرّد تبشّر بالخير. إنّ الاتحاد العام للعمّال هو خاصيّة نتميّز بها، إنه تقليد عُماليّ نتفّرد به والسيّد فيليب مارتيناز يمنحه شرفًا عظيمًا.

    سيد ريجيس دوبريه، في كتابك الأخير والمثير “خارطة الطريق”(غاليمار) نجد أن النصف الثاني من القرن العشرين يحترق في كل صفحة من صفحاته. إنّ كتاباتك الأدبية المحرّرة في صيغة المخاطب جُمعت هنا. فلماذا هذا الرهان الخطر والحميمي لهذا (الأنا) الأدبي؟

    ريجيس دوبريه: أوّلًا كانت هناك الحاجة لقاسم مشترك لإيجاد التناسق وتفادي الوقوع في متاهة. اقترح عليّ صديقي جاك لاكارم أن أضع “الأنا” كاختيار احتمالي، ولكن بدا لي أنّ “الأنا” أكثر تواصلًا وسمح لي بفرز ما يمكن نشره وترك العديد من الخواطر النظرية أو الظرفية جانبًا. إن “الأنا” يمنح حرية أكبر في حين أن صيغة الجمع سكين ذو حديّن. “الأنا” يتطلّب أيضًا المصداقية والواقعية.

    في الكتاب ألخّص الأشياء بهذه الصيغة: صيغة المجهول تعلن، صيغة الجمع تهدّئ في حين أن “الأنا” تهمس. إن صيغة المجهول إمّا نظرية أو علمية، صيغة الجمع تنطوي على جانب من التضخيم، فرض الأشياء والطموح، في حين أنّ “الأنا” مجرّد، صريح متردّد وقريب للواقع.

    سيد ريجيس دوبريه، كنت قد قدّمت أوبيرا ( بنيامين: الليلة الأخيرة) في ليون التي تدور أحداثها حول والتر بنيامين وهو على فراش الموت ولقد كان باديًا عليك الافتتان بالجانب الفكري والحياتيّ على حدّ السّواء لذلك الإنسان الرافض أن يختار ما بين الفلسفة والأدب، ما بين التقدميّة والقلق الوجودي.

    ريجيس دوبريه: لكل منا بنيامينه الخاص به، عندما ذهبت إلى بورتبو (أين توفي) للحجّ تناهى إلى مسامعي على الفور أصوات قطارات وقرع أجراس، بورتبو تتميز بمحطة قطاراتها الشاسعة، إنها قرية كبيرة نسبيًا ومع ذلك فإن محطة قطاراتها الواقعة أعلى التلّة تضاهي في حجمها محطة ليون. وفي الأسفل نجد الكنيسة. هاهنا تكمن معضلة بنيامين، الجانب المادي من جهة والجانب المقدّس من الجهة الأخرى، تديّنه العميق من ناحية واهتمامه بالتقدم، ومن هنا راودتني الفكرة في تسليط الضوء على تناقضيّة بنيامين الحميمة. هذا الرجل الذي ظلّ في صراع ما بين إدراكه العميق بأهمية التطورات التقدمية وحنينه القوي لأصوله الدينية والثقافية. يبدو لي أن هذا يعكس حقيقة واقعنا: تمرّد الهويّات ذو البعد الديني من ناحية والتغيرات التكنولوجية والقفزة الرقمية من الناحية الأخرى

    لقد أردت استرجاع التردّد القائم بين برتراند براشت وجرشوم شولام وأبيّن كيف أن بنيامين عاش حياته مرة أخرى وهو على فراش الموت. كنت أيضًا مهتمًا بخصوص مسألة نفي هذا اللاجئ السياسي، المهاجر، الغريب غير المرحب به. نحن لم نرحب ببنيامين والتر. لقد تمّت معاملته بازدراء واعتُبر كمصدر إزعاج. كنت أيضًا حسّاسًا تجاه هذه المرحلة الانتقالية للشاعر، هذه الوضعيّة الوسطيّة بين التقدمية الأدبية والعمل الفلسفي. لم يشأ أن يتخلّى عن مخاوفه الروحية. إنه بوصفه تقدميّا بامتياز، أدرك أن الماضي لم ينته بعد، كان يعرف أنّ “الإنسانية تتكون في معظمها من الأموات أكثر من الأحياء” (أوغست كونت). إن الأسلاف ليسوا فقط ما يميّزنا، بل أيضًا ما يدفعنا إلى الأمام ولمصلحتنا وجب علينا وضعهم نصب أعيننا.

    ولد دوبريه في باريس في عام 1940، تحصّل على الإجازة في الفلسفة، تخلّى عن التّدريس مفضّلًا الأجواء السّاخنة والمناطق الوعرة والنائية في أمريكا اللاتينية. شارك في حملات محو الأمية في كوبا، قام بتصوير فيلم عن حرب العصابات في فنزويلا، تم سجنه في بوليفيا، ساعد في عمليّة تعقّب كلاوس باربي الملقّب بـ”الجلاّد”. كان على صلة بأعلام هذا العصر: كاسترو، جيفارا، آلاند، نيرودا… عقب عودته إلى فرنسا، أصبح مستشارًا لميتران وقدّم خدماته للدولة في عدّة مجالات. في عام 1996 نشر “أوراق الميديولوجيا” نسبة للتيّار الذي أسّسه وهو مؤلف العديد من الأعمال المتنوّعة التي يختلط فيها الأدب بعمق التفكير.

     

    الإنسانية الفرنسية – التقرير

    ريجيس دوبريهالعلمانيةفرنساالطائفيةالمساواةالديمقراطيةالكنيسة