الأحد 17 نيسان 2016 | 12:4 صباحاً بتوقيت دمشق
  • وتسقط العمامة في سوريا

    بعماماتهم "البيضاء"، وصورة بشار الأسد في قبضة أحدهم.. هدم "علماء أوقاف حلب" جانباً جديداً من جوانب هيبة علماء الدين ومكانتهم في نفوس السوريين، مؤيدين منهم، ومعارضين. فالمؤيدون منهم يدركون مقدار نفاق هؤلاء العلماء، والمعارضون منهم يشعرون بالاشمئزاز ممن وجب عليهم مقارعة الطغاة، ولو بكلمة حق، فكان منهم أن تبرعوا لجند طاغية، بالدماء.

    هذه ليست ضربة المعوّل الأولى، التي تلقتها مكانة علماء الدين في نفوس السوريين منذ خمس سنوات وحتى اليوم.. إذ توالت الضربات، بقبضات العلماء ذاتهم، الذين كان مفتي سوريا، أحمد حسون، عميدهم في هذا المجال.

    بعيد نشر تلك الصورة المُشار إليها أعلاه، كرّر بعض المثقفين السوريين مقولةً تُشاع في سوريا، مفادها أن نظام الأسد يرتكز على "تجار الشام وعلماء حلب وضباط الساحل". لكن لا يبدو أن علماء حلب وحدهم من يرتكز عليهم النظام، إذ أن لوثة دعم الأسد امتدت إلى طيف واسع من علماء الدين في سوريا، ولم تنحصر في أوساط مناطقية بعينها، كما أنها لم تنحصر في دين أو مذهب بعينه، لتقدم دليلاً صارخاً على أن طبقة علماء الدين، فيهم الكثير من المُعتاشين، أكثر ربما، بكثير، من المُخلصين.

    وإن كانت حفنة من علماء الدين، قد نجت بنفسها، وبما تبقى من مكانتها، من "فتنة" مقارعة الطاغية، بشار الأسد، ووقفوا إلى جانب خيار غالبية السوريين.. إلا أن الغالب الأعم كان أن طبقة علماء الدين فقدت الكثير من هيبتها وتأثيرها في نفوس السوريين، خاصة الشباب منهم، بعد أن فشلوا في أن يلعبوا الدور المُناط بهم في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا.

    تثبت هذه الظاهرة الكثير.. فهي لا تخص سوريا أو السوريين، ولا تخص المسلمين منهم أو حتى السُنة، بل هي ظاهرة عمّت كل الدول العربية التي داخَلَها "ربيع الثورات" عام 2011. الأمر الذي يعني، في ما يعنيه، أن علماء الدين الإسلامي تحديداً، ليسوا أفضل حالاً من علماء الدين المسيحي في عصر النهضة الأوروبي، حينما أطاحت الثورات بمكانتهم، وألزمتهم بتغيير نوعي في خطابهم وفكرهم، وطرق تأويلهم للنصوص المقدسة.

    لطالما ردد علماء ومفكرون عرب، قبل الثورة، أن لا كهنوت في الإسلام، وأن سيرة الكنيسة في أوروبا، لن تتكرر في بلدان العالم الإسلامي، لأن لا كنيسة هنا.. لكن هبات "الربيع العربي" أثبتت أن هناك "كهنوتاً" إسلامياً، ربما أسوأ بمرات من نظيره المسيحي. فالأول خضع للحكام والطغاة، وفسّر الدين بالصورة التي يرغبون، فيما الثاني كان يُخضع الحكام والطغاة، ويؤوّل الدين بما يخدم الكنيسة ورجالاتها.

    وهكذا يبدو أن صيرورة تطور الفكر الديني وعلمائه، تلك التي عاشها الغرب بعيد الثورات، ستتكرر لدينا.. صيرورة ربما تُثبت أن تطور التاريخ أمر حتمي، وأن تكراره مُرجح..

    في الغرب، بعيد الثورات، تراجع تأثير الدين، ورجالاته، بصورة متدرجة، تسارعت منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، حتى وصلت ذروتها في ستينات القرن الماضي مع انتشار الفكر الوجودي.. لتبدأ بعد ذلك حالة عكسية في التطور غرباً، باتجاه عودة التديّن، وإن بصيغ مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قديماً. وبقي رجل الدين يبحث عن مكانته المفقودة، ويطوّر في أساليب خطابه، أملاً في استعادة أكبر قدر ممكن من الجمهور.

    في حالتنا العربية، ومنها السورية.. يبدو أن دور رجال الدين سيتقلّص بصورة أسرع، والفقه الديني التقليدي القائم منذ قرون، سيتعرض للتهديد بوتيرة أكبر.. وذلك التطور الذي شهده الغرب في قرون، سنشهده نحن في عقود، بفعل تطور وسائل التواصل والاتصال والإعلام.

    في الحالة السورية.. فقد معظم علماء الدين تأثيرهم.. يكفي أن نذكر أن تحذيرات عالم مُؤثّر، من رتبة، راتب النابلسي، حيال موضوع الهجرة لأوروبا، لم تأخذ الصدى المأمول في أوساط السوريين، بل على العكس، نالت من القدح، أكثر مما نالت من القبول، رغم أن النابلسي ذاته، كان من المفترقين عن نظام الأسد، واتخذ موقفاً أقرب للثائرين. لكن الثورة وظروفها الموضوعية المترتبة عليها هزت مكانة "العمامة"، في نفوس شعب لطالما كان لعلمائه دور السبق في ترتيب وجهته ومساره.

    وإن كان محمد سعيد رمضان البوطي، أكثر علماء سوريا إثارةً للجدل، ما يزال في نفوس شريحة واسعة من السوريين، عالماً جليلاً، أظهر عكس ما يُبطن، إما قسراً تحت ظروف قاهرة، أو قصداً، خشيةً على السوريين من "فتنة الخروج على الحاكم"، التي نال السوريين منها الكثير، بالفعل. لا يبدو أن علماء حلب، وأقرانهم في باقي المناطق السورية، مثار جدل بين السوريين، بقدر ما هم مثار اشمئزاز وقرف، حيث أن تفسيرات من قبيل، النفاق والجُبن والارتزاق، هي الوحيدة المتداولة في الوسط العام، حيالهم.

    في نهاية المطاف، لا يبدو أن عالمنا العربي والإسلامي سيكون استثناءاً عن مسار التطور التاريخي، وصيرورة التغيرات النوعية الكبرى، الاجتماعية والفكرية والسياسية، التي تعيشها المجتمعات بعيد الثورات.

     

    المدن

    بشار الأسدعلماء أوقاف حلبطاغيةضباط الساحلتجار الشامالنظام السوريربيع الثوراتالربيع العربيراتب النابلسي