الإثنين 27 نيسان 2020 | 9:54 مساءً بتوقيت دمشق
  • سوريا .. ثنائية الجوع والثورة

    سوريا

    حدثني صديق في الداخل السوري ، أنهم يقرأون كتاباتنا عن قرب حصول ثورة جياع في سوريا ، بنوع من السخرية والتهكم ، لأن الناس حسب قوله ، أصبحت راضخة ومستسلمة ، ولم يعد يوجد في قاموسها الثورة على جلادها ، حتى لو ماتت من الجوع .. ثم قدم لي قائمة بأسعار بعض الخضار والمواد الغذائية الأساسية ، والتي لم يعد راتب الموظف يكفي سوى لمعيشة يومين أو ثلاثة أيام بالنسبة لأسرة مكونة من خمسة أفراد ، بينما ، كما يقول ، لا نسمع عن أحد توقف عن الذهاب إلى وظيفته لتلاشي الجدوى الاقتصادية ، بل إن الناس مواظبة على الذهاب إلى عملها ، وكأنها تتقاضى رواتب محترمة .. 

    ويرى هذا الصديق ، أننا كمعارضة ، إن كنا نتأمل شيئا من الداخل ، فيجب أن ننسى هذا الأمر ، لأن الشعب السوري أصبح جاهزا للسوق للذبح ، ولم يعد يملك أية إرادة ، من تلك التي تعني الرفض أو عدم القبول . 

    وللحقيقة ، ليست المرة الأولى التي أسمع بها هذا الكلام من أصدقاء يعيشون في سوريا ، عندما كنت أسألهم ، كيف يتدبرون أمور حياتهم ، ولماذا لا يرفعون صوتهم ويعترضون على غلاء الأسعار ، وليس المطالبة بالحرية والديمقراطية..؟ 

    فكانوا يقولون ، " اللي بيعرف بيعرف واللي ما بيعرف بقول كف عدس"  بمعنى أنه ، بعد ما شاهدوا من إجرام النظام وتغوله عليهم ، فإنهم باتوا يفضلون الموت جوعا على الموت في المعتقلات وتحت التعذيب . 

    ولكن إلى أي حد يمكن النظر إلى هذا الوضع ، على أنه حتمي ونهائي ، ولا يمكن تغييره .. ؟ الناس في الداخل مقتنعة بأن سوريا لن تعود دولة مستقلة ومستقرة ، ويحكمها نظام غير قمعي ، في المدى المنظور ، بل هم من هذه الناحية فاقدو الأمل إطلاقا ، ويرون أنه حتى لو تحققت أمنية إزالة هذا النظام ، فإن نفوس الناس التي تعرف بعضها البعض ، قد تغيرت ، وأصبحت أكثر ميلا للتسلط والمصلحية والنفعية ، وبالتالي فإن أي تغيير لن يطال المجتمع ذاته ، فلا معنى له .. 

    ومن جهة ثانية ، فإن الوقائع التي تتحدث عن احتمال تغيير سياسي قريب في سوريا ،  بضغط من روسيا والدول المؤثرة في الملف السوري ، باتت تلقى آذانا صاغية ، ولها الكثير من المريدين في الداخل السوري ، حتى أن البعض أخذ يتحدث عن أن ملامح هذا التغيير بدأت تظهر في الشارع وفي حركة المؤسسات والقرارات الحكومية ، إذ أنها أصبحت تتصرف بإنفرادية مقيتة ، والكل ينتقدها وينال من هيبتها ، بمن فيهم من أقطاب النظام ذاته ، دون أن يؤثر ذلك فيها شيئا ، وهو دليل ، حسب رأيهم ، على أنها تمضي أيامها الأخيرة ، وبالتالي لا تعبأ بما يقال عنها .. 

    وفي كل الأحوال ، فإن استمرار قيادة البلد على هذا النحو من الندرة والتقتير ، من الصعب أن تستمر لفترة طويلة .. ومهما يقال عن أن ثورة الجياع لا يمكن أن تحدث في سوريا ، لكن الواقع يشير إلى أن هذا النظام الذي يقوم على النهب والسلب ، هو من سيتلاشى ، عندما لا يجد ما يسرقه من هذا البلد .. وهي مرحلة نعيش مراحلها بمنتهى الدقة ، وهي التي تفسر لنا كيف أصبح رامي مخلوف يتاجر بالمخدرات ، وأسماء الأخرس تحاول أن تسرق من رغيف الشعب السوري .. فكيف لو أن هذا الرغيف لم يعد موجودا .. ؟ من أين سيسرقون .. ؟!

    فؤاد عبد العزيز

    سورياغلاء المواد الغذائيةالنظامالجياعرامي مخلوفأسماء الأخرس