الأربعاء 29 كانون الثاني 2020 | 2:15 مساءً بتوقيت دمشق
  • صفقة القرن .. سياسية أم تجارية ..؟

    صفقة

    الفرق بين من يؤيدون صفقة القرن من الدول العربية وبين من يرفضونها ، هو في المصطلح الذي استخدمته وسائل إعلام هذه الدول .. فبينما حرصت بعض وسائل الإعلام على تسميتها باسمها الحقيقي " صفقة القرن" ، كانت وسائل إعلام عربية أخرى ، تطلق عليها اسم "خطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط" ..

    والفارق كبير بين المصطلحين ، فالأول يعني مقايضة وتجارة ، بينما يشير الثاني إلى معنى سياسي غير موجود أصلا في المبادرة الأمريكية .

    وللتدليل على أن صفقة القرن هي صفقة تجارية وليست صفقة سياسية ، يكفي أن نعرف أنها تقوم على المال فقط ، من خلال ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمس ، من أن أبرز محفزاتها ، هو توزيع مبلغ 50 مليار دولار ، على الدول المحيطة بإسرائيل من أجل مساعدتهم على توطين الفلسطينيين في بلدانهم .. الأردن ولبنان ومصر ، بما فيها الأراضي الفلسطينية ، حيث ستقبض منها مصر 9 مليار دولار ، فيما تقبض الأردن ولبنان 13 مليار دولار ، والباقي لتحفيز الاقتصاد الفلسطيني في الداخل ، بحسب ما تدعي المبادرة .. 

    ويكفي أن نعلم أن أمريكا لن تدفع شيئا من هذا المبلغ ، ولا حتى إسرائيل ، وإنما الدول الخليجية العربية الغنية ، بحجة دعم حل القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط .. ولعل ذلك المعنى السياسي الوحيد ، الذي تحاول هذه الدول أن تقنعنا من خلاله بأن الصفقة سياسية وليست تجارية .. 

    نقطة أخرى نود الإشارة إليها ، وهي على درجة كبيرة من الأهمية ، بخصوص الدول التي سوف يتم دعمها بالأموال لتوطين الفلسطينيين على أراضيها ، الأردن ولبنان ومصر .. حيث أن نظرة سريعة على أوضاعها الاقتصادية ، سوف نجد أنها تعاني من أزمات كبيرة ، ليست ناتجة في أغلبها عن أوضاع داخلية ، وإنما عن ظروف خارجية ، ساهمت أمريكا بها ، من خلال تخفيض حجم المساعدات التي كانت تؤديها إلى هذه الدول ، أما بالنسبة للبنان ، فقد أوعزت أمريكا لدول الخليج بالتوقف عن مساعدته ، كما في كل المرات ، للضغط عليه من أجل قبول صفقة القرن ، مقابل بضعة مليارات من الدولارات ، أصبحت ضرورية في الفترة الراهنة ، من أجل مساعدته للخروج من أزمته المالية .. 

    صحيح أن الرئيس الأمريكي ترامب ، قال في معرض حديثه عن هذه الصفقة ، بأنها ليست ملزمة للفلسطينيين والعرب ، لكنه بنفس الوقت ، هدد بأن رفضها سوف يزيد من مأساوية الأوضاع التي تعاني هذه الدول ، بما فيها الأراضي الفلسطينية في الداخل ، والتي تم وقف جميع المساعدات الدولية عنها ، بعدما توقفت أمريكا عن دفع حصتها في منظمة "الأونروا" ، لدعم اللاجئين الفلسطينيين .. 

    وكما هو متوقع ، فقد رفضت السلطة الفلسطينية هذه الصفقة ، كما بعض الدول العربية ، التي دعت لاجتماع عاجل لوزراء خارجيتها في الجامعة العربية ، لكن هذا لا يمكن اعتباره ردا كافيا على هذه المبادرة .. الرفض لوحده لا يكفي .. بل لا بد أن يكون هناك ضغط من نوع آخر ، دولي على الأقل ، يدفع أمريكا لأن تعود إلى القرارات الدولية في هذا الشأن والتي تتبنى مبدأ حل الدولتين .. ولعل ذلك لن يتأتي إلا من خلال اللجوء إلى أوروبا ، والتي أعلنت دولها في أغلبها ، رفضها لهذه الصفقة ، وبأنها متمسكة بمبدأ حل الدولتين ، وأنه السبيل لحل الصراع العربي الإسرائيلي .. وهو ما أشار إليه محمود عباس ، رئيس السلطة الفلسطينية ، في كلمته التي أعقبت الـ "الشو" الإعلامي ، للرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي ، خلال طرح صفقة القرن بالأمس ..

    العرب اليوم ، أمام مرحلة جدا مهمة ، سوف تؤسس برأينا ، لما سيليها من مراحل قادمة في مستقبلهم .. فإما أن يثبتوا جدارتهم ، ويسقطوا هذه الصفقة ، من خلال العودة إلى القرارات الدولية ، وإما أن يتخلوا عن قضية الشعب الفلسطيني .. وعندها ، فإن المؤامرات سوف تزحف إلى بلدانهم ، وتزيحهم عن عروشهم .. عاجلا أم آجلا ..

    قاسيون ــ خاص 

    صفقة القرنترامب العربالخليجاسرائيل