الإثنين 30 أيلول 2019 | 9:22 مساءً بتوقيت دمشق
  • هل يحول الدستور الجديد الأسد للملكية

    هل
    استعرض موقع " المدن " عبر مقالة مطولة تاريخ الدساتير السورية وان كان الدستور الجديد سيمنح الاسد شرعية الملكية
    وقالت " المدن "منذ الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية بات الموضوع الدستوري يتصدر اهتمامات السوريين باعتباره المدخل إلى التسوية المفترضة، والمؤشر الرئيسي على التحولات الممكنة في طبيعة النظام بعد 8 أعوام من الثورة والحرب.

    وان تأملنا الدساتير السورية مقارنة مع دستور 2012 الذي يصفه وزير الخارجية وليد المعلم، بأنه "أفضل دستور في المنطقة"، فإننا نجد مفارقات كبيرة فيها، ليس أقلها أن صلاحيات الرئيس فيه، تفوق بشكل هائل حتى صلاحيات الملك فيصل، كما حددها الدستور السوري الأول.

    دستور الملك فيصل 1920
    أول دستور سوري وهو ما أطلق عليه دستور فيصل، كتبه "المؤتمر السوري العام" المنتخب بعد خروج العثمانيين وترأسه هاشم الأتاسي، الذي ترأس أيضا لجنة خاصة لصياغة دستور  "للمملكة العربية السورية" وعاصمتها دمشق ودين ملكها الإسلام.

    وبموجب الدستور الذي لم يعمل به إلا 15 يوماً، بسبب إنذار الجنرال الفرنسي غورو، وما تلاه من تداعيات وخضوع سوريا للانتداب الفرنسي، فقد حاز فيصل على صلاحيات مُقيّدة جداً، ولم يكن توقيعه معتمداً ما لم يترافق مع توقيع رئيس الوزراء أو الوزير المختص. هذا بالإضافة إلى أن أعضاء المحكمة الدستورية الـ16 في دستور فيصل، كانوا يأتون بالانتخاب، لا بالتعيين من قبل الملك، على عكس الدستور الحالي الذي يُعين فيه الرئيس أعضاء المحكمة الدستورية.

    وحتى العام 1930 لم تعرف سوريا أي دستور فعلي، وكان "القانون الأساسي للاتحاد السوري" الذي أعلنه غورو، بمثابة الدستور الاتحادي المعمول به في البلاد.

    دستور 1930
    كتبته الجمعية التأسيسية المنتخبة في العام 1928 من وحي الدستور الفرنسي، وترأس لجنة صياغة الدستور فيها ابراهيم هنانو، وعبرت  فيه عن وحدة دولتي حلب ودمشق فقط، لتحدد بموجبه نظام الحكم في سوريا بجمهورية نيابية لا يحق فيها لرئيس الجمهورية تعيين رئيس الوزراء، كما لا يحق له الترشح لولاية ثانية ما لم تنقضِ خمس سنوات على خروجه من المنصب وهي مدة الرئاسة المنصوص عليها في الدستور.

    التعديلات الدستورية اللاحقة التي خضع لها هذا الدستور لم تكن جوهرية، ومعظمها يتمثل في زيادة عدد المقاعد النيابية بعد انضمام الدروز والعلويين إلى الدولة السورية الموحدة عام  1936.

    ورغم عصرية دستور 1930 وضمانه للحقوق والحريات العامة وتمثيل الأقليات الدينية والعرقية بشكل عادل، إلا أنه كجميع الدساتير المكتوبة تحت الانتداب، فقد تمت إضافة مادة إليه تنص على طي وتجميد المواد المتعارضة مع قوانين الانتداب حتى زواله. وبقي الدستور سارياً ومعمولاً به حتى عام 1950، عدا الفترة الممتدة من 1939 إلى 1941 التي تم تعطيله فيها بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية.

    دستور 1950 أو دستور الاستقلال
    هو أول دستور سوري كتب بعد الاستقلال، وتمت صياغته بعد الاطلاع على عدد كبير من الدساتير المعاصرة. وحافظ على الصفة البرلمانية للجمهورية، ووسع صلاحيات البرلمان على حساب الصلاحيات الرئاسية، واستحدث المحكمة الدستورية العليا، ووازن بين السلطات بشكل مقبول، ونص في 28 مادة منه على الحريات العامة. إلا انه، أخفق في حسم الإشكاليات التأسيسية للجمهورية، وضم في مواده مزيجاً تلفيقياً من الدساتير الغربية والشرقية بآن معاً.

    ورغم تخفيف الصيغة المعتمدة في الدستور باعتبار الإسلام دين رئيس الجمهورية لا دين الدولة كما كان مطروحا، إلا أن تداعيات الصيغة أرخت بظلالها على الكثير من مواد الدستور المقيدة للحريات العامة، وانعكست على الحريات والتعليم بشكل واضح لجهة تجريم ما يتناقض معها، مؤسسة بذلك البذور الأولى للمفاهيم الشمولية، وفاتحة الطريق أمام العسكر للاستيلاء على السلطة لعدم إقرارها نصاً دستورياً يُحيَد الجيش ويضعه في إطاره المهني كما كان مطروحا آنذاك.

    دستور 1953
    وهو الدستور الذي اعتمده الشيشكلي بعد انقلابه الثاني، وكتب من وحي دستور 1950، وجاء التعديل الأبرز فيه لجهة اعتماد الصيغة الرئاسية بدلاً من البرلمانية. ومع انتهاء فترة الشيشكلي بعد ستة أشهر أعيد العمل بدستور 1950 من جديد، وبقي سارياً عدا فترة الوحدة 1958-1961، إلى عام 1963 مع تعديلات طفيفة.

    دساتير البعث
    بعد استلامه السلطة عام 1963 اصدر البعث ثلاثة دساتير مؤقتة اثنان منها في عامي 1964 1969، وهي دساتير متشابهة صاغتها القيادة القطرية، لكنها بقيت معطلة للحريات العامة والعمل السياسي، لاقترانها بقانون الطوارئ الساري في البلاد، وبموجبها تم اعتماد الاقتصاد الاشتراكي. وصيغ الدستور الثالث عام 1971 ليكون دستوراً للجمهورية في ظل اتحاد الجمهوريات العربية.

    دستور 1973
    وهو "دستور حافظ الأسد"، الذي تميز بانتقاله إلى الصيغة الرئاسية المطلقة وحيازته على مجموع الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية مع إبقاء هياكل تلك المؤسسات واستتباعها بالكامل لسلطة الحزب والرئيس، واعتماد المادة الثامنة من الدستور باعتبار "حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع"، واعتماد  نظام الاستفتاء على الرئيس بدل الانتخاب التعددي الحر، وحصر الترشيح الرئاسي بالقيادة القطرية للبعث.

    ورفع مدة الرئاسة دستوريا من خمسة أعوام إلى سبعة أعوام ميلادية، وهي غير مقيدة بعدد المرات، وحصن نفسه دستوريا بعدم المسؤولية عن نتائج أفعاله، وعدم جواز محاكمته إلا في حال الخيانة العظمى، لتتم محاكمته حينها أمام أعضاء المحكمة الدستورية التي يمتلك وحده حق تعيين أفرادها.

    ورغم ورود بعض المواد المؤكدة للحقوق والحريات العامة في هذا الدستور إلا أن قانون الطوارئ وطبيعة الحكم الاستبدادي الشمولي، جعلا من تلك المواد مجرد صيغ لفظية لا يمكن ترجمتها على أرض الواقع.

    دستور 2012
    لم يحصل تبدل يذكر في دستور 2012 عن سابقه سوى الإلغاء الشكلي للمادة الثامنة من الدستور القائلة بـ"قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع"، وإلغاء حق القيادة القطرية بترشيح الرئيس، وإحالتها بشكل غامض إلى مجلس الشعب، من خلال حصول المرشح على 35 صوتاً للسماح له بدخول السباق الرئاسي.

    وأبقي بشار على جميع الصلاحيات الرئاسية الواردة في دستور حافظ، كما حافظ على المادة المحصنة للرئيس بعدم مسؤوليته عن نتائج أفعاله، واستبقى لنفسه صلاحيته الحصرية لتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا.

    ورغم تشريع قانون أحزاب سابق على إعلان الدستور إلا أن مفاعيله لم تظهر دستورياً بأي من المواد، ولا قيمة دستورياً لحجم الأحزاب مهما بلغت، أو مهما حصلت على تمثيل نيابي.

    من جهتها المواد الحاملة للحريات العامة لم تختلف نظرياً في دستور 2012 عن دستور الأب، وفي الواقع العملي بقيت حبرا على ورق رغم إلغاء قانون الطوارئ المعمول به في البلاد منذ نصف قرن، فيما تراجعت الحريات على الأرض بشكل مخيف.

    وحرص بشار الأسد على إدراج مادة خاصة به أشارت إليه باسم رئيس الجمهورية الحالي، وهي المادة 155 وتنص حرفيا: "تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية، وله حق الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية وتسري عليه أحكام المادة 88 من هذا الدستور اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة".

    ما يعني السماح له بالترشح لولايتين قادمتين، كما رفض كل المناشدات الداخلية والخارجية بمن فيهم بعض أعضاء اللجنة الدستورية التي شكلها في حينه، لتخفيض مدة الرئاسة إلى خمسة أعوام بدلا من سبعة. ووفق هؤلاء فان بشار الأسد، زج بأسمائهم لتلميع عملية الصياغة معتمدا على اختيار ثلثي أعضاء اللجنة الدستورية من مواليه البعثيين. وكان إقرار المواد الدستورية بالتصويت ما يعني ضمانته في الحصول على دستوره المطلوب دون قدرة الرافضين لإحداث أي خرق، وهو ما سعى الى تكراره في اللجنة الدستورية العتيدة.

    المادة اللافتة أيضا في دستور 2012 هي المادة 154، وتمنح مهلة ثلاث سنوات لتعديل الأطر والتشريعات النافذة سابقاً والمتعارضة مع الدستور الجديد، بما فيها مفاعيل المادة الثامنة التي تم حذفها من الدستور السابق والتي كانت تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع.

    ورغم انقضاء المهلة الممنوحة دستوريا، إلا أن شيئا لم يتغير من الواقع المخالف للدستور الجديد واستمرت مفاعيلها وهيمنة هياكل البعث وامتداداته، ابتداء من المناهج الحكومية وصولا إلى إقرار السياسات الداخلية والخارجية، وعلى كامل العمل الحكومي والإداري. ما يعني مخالفة الواقع الحالي لدستور النظام نفسه.

    الإشكاليات الدستورية المتنازع عليها
    يؤسس الدستور للعقد الاجتماعي المتفق عليه لإنشاء الكيان السياسي والاجتماعي المطلوب، وفي الحالة السورية فإن التنازع يبدأ من الاسم بين الجمهورية السورية أو الجمهورية العربية السورية، ويمتد إلى مصادر التشريع وموضوعة دين رئيس الجمهورية، كما يمتد إلى طبيعة النظام لجهة اعتماد الشكل الرئاسي أو البرلماني ما يعني صلاحيات الرئيس، وتوازن السلطات العامة والفصل بينها.

    ويمتد الخلاف إلى اعتماد الصيغ المركزية أو اللامركزية في الحكم بتعبيراتها السياسية الممتدة من الفيديرالية والكونفيديرالية إلى اللامركزية الإدارية، كل ذلك يقود إلى أن الخلاف في الرؤى الدستورية تشمل هوية الكيان وطبيعة الحكم وشكله أيضا.

    أما إجرائيا وهو المستوى الأكثر إشكالية، فيشمل الخلاف شكل الانتقال وآلياته وأدواته وتدرجه الزمني للوصول من الوضع القائم إلى المقبل. ويزيد النظام من العراقيل الشكلية والجوهرية، ويلعب على التناقضات المحلية والدولية لشراء المزيد من الوقت. وفيما يأمل المتفائلون من المعارضة بإنتاج دستور يقود إلى الانتقال السياسي، يسعى النظام إلى إنتاج دستور غير قابل للتطبيق أو دستور يعيد إنتاج ذاته، وأدواته دون إحداث تغيير يذكر.

    وبين الموقفين، يبقى الزمن هو الحكم الأكبر لنتائج العملية الدستورية التي استغرق الاتفاق على تسمية أعضائها قرابة السنتين، في ظل ظروف دولية ومحلية معقدة تهيمن على استمرار اللجنة أو انهيارها، وتتحكم بمخرجاتها الدستورية أيضا وفق مصالحها على الأرض السورية.
    الأسد اللجنة الدستورية