loader

بدر جاموس .. من الاستثمار في النظام إلى الاستثمار في المعارضة

يصفه كل من تعرف عليه ، بالشخص غير المريح ، لكن لا أحد يعرف على وجه التحديد سبب هذا الشعور ومصدره ..! فهو معارض شرس لنظام الأسد ، وتميز منذ البداية بنبرة صوته العالية ، الداعية لإسقاط بشار الأسد بشتى السبل ، وبنفس الوقت ، المتأمل في ماضيه وحاضره ، لا يستطيع منع نفسه ، من وضع العديد من إشارات الاستفهام حوله .. أولها ، حضوره المستمر في مؤسسات المعارضة منذ المجلس الوطني وحتى الائتلاف الوطني وإلى اليوم .. أما الثاني ، فهو علاقته مع روسيا ومع أحدى جمهورياتها السابقة التي لم تخرج من حضنها ، والثقة التي منحه إياها النظام بتعيينه قنصلا فخريا في ملدافيا على مدى عشر سنوات ..
كل ذلك جعلنا نتساءل ونبحث : من هو بدر جاموس .. ؟!
شيء من الماضي
في عام 2014 ، تعرض بدر جاموس ، الذي كان يشغل منصب أمين عام الائتلاف الوطني ، لمحاولة اعتداء أو اغتيال ، في ملدافيا ، من شخص سوري مناصر للثورة السورية .. فما الذي دفع هذا السوري الثوري لأن يعتدي على من يمثل الثورة والمعارضة ..؟ لا بد أنه يعرفه جيدا ، ويعرف مواقفه ، وإلا لما أقدم على هذا العمل ، الذي كلفه السجن فيما بعد ..!
هذه الحادثة ، كانت دافعنا للبحث عن ماضي بدر جاموس والمواقع التي تنقل فيها إلى أن وصل أخيرا إلى المعارضة .. والمفاجئة الحقيقية كانت ، وبعد الاستعانة بعدد من السوريين الذين عاصروه طالبا في ملدافيا في التسعينيات من القرن الماضي ، أن أحدا ممن انتمى للمعارضة فيما بعد ، لم يكن يعرفه على الإطلاق سوى من بعيد ، لأنه كان محاطا بطبقة من المخبرين ، والحزبيين ، وكان منغمسا بحياة الجاه والسلطة ، بعد أن تولى منصب رئيس اتحاد الطلبة هناك ، ومن ثم قنصلا فخريا للنظام السوري في ملدافيا .
يقول أحد أولئك الذين عرفوه من بعيد : رأيته لأول مرة في العام 1993 ، وآخر مرة كان في العام 1999 وكان لا يزال في ملدافيا، وما بين المرتين اختلف حاله بشكل جذري .. ويتابع : كنا كطلبة سوريين نخشى الاقتراب منه بكل معنى الكلمة .. وكانت الفكرة العامة عنه بين أوساط الطلبة ، أنه عنصر أمن أصلي وليس مخبرا ، بسبب تبدل حاله بسرعة كبيرة ، من طالب عادي ، إلى راكب لسيارة " بي إم دبليو " ، وما أدراك ماذا تعني هذه السيارة في ملدافيا في ذلك الوقت ..! يضيف محدثنا ..
ثم يقول : كان يتخذ من جامعة "أوليم " الخاصة ، التي يملك حصة فيها ، مقرا له ولمكتبه الخاص .. وهو مكتب كانت تجري فيه كل صفقات الفساد ، سواء من كان يريد التوسط والحصول على الشهادات بدون الدراسة ، أو من يود تسوية أوضاعه الأمنية ، على خلفية تقرير ما ..وكل ذلك كان يقوم به بدر جاموس مقابل المال .. !
وشكك محدثنا بأن يكون بدر جاموس ، الحاصل على شهادة في طب الأسنان ، إن كان يعلم في هذه الشهادة أي شيء ، لأنه لم يمارس الطب أبدا ، وأغلب الظن أنه لم يحضر الدروس الجامعية على الإطلاق ..
بدر جاموس وثورته
كان بدر جاموس القنصل الفخري في ملدافيا ، أحد الذين أعلنوا انشقاقهم عن النظام والانتماء للثورة في فترة مبكرة من العام 2011 .
وبحكم علاقة قديمة تربطه بالدكتور عماد الدين رشيد ، قدمه هذا الأخير لمؤسسات المعارضة ، باعتباره كان يشغل منصبا دبلوماسيا ، ويمكن الاستفادة من خبراته .
وبالفعل ، دخل بدر جاموس في البداية ، إلى المجلس الوطني دون أن يكون له أي دور قيادي ، لكنه في المرحلة التالية وبعد تأسيس الائتلاف الوطني ، أصبح في المكتب السياسي ، ومن الفاعلين فيه ، ومن الأشخاص المحاورين لموسكو في الائتلاف .. ساعده في ذلك اتقانه للغة الروسية والعلاقة التي كانت تربطه بـ "بغداونوف " ، مساعد وزير الخارجية الروسي .
لم يستطع أحد في تلك الفترة ، أن يؤكد طبيعة الصلة التي تربط بدر جاموس بالروس ، وقد سرت شائعات كثيرة ، أنه عميل لهم ، ويمثلهم بالائتلاف الوطني .. لكن ذلك لم يمنع اللغط وإثارة القلاقل ، وجميعها خرج منها جاموس سليما ومعافى ، وليتابع مسيرة الصعود في مناصب الائتلاف .
مما يحسب لبدر جاموس في تلك الفترة ، أنه استطاع استثمار منصبه القديم كقنصل فخري للنظام في ملدافيا ، ويمدد العديد من جوازات السفر المنتهية ، للكثير من المعارضين والناشطين ، وذلك عبر ختم السفارة الذي كان بحوزته .
لقد وضعه هذا الموقف البطولي في موقع متقدم ، وأثر فيما بعد على تحالفاته داخل الائتلاف ، إذ أصبح محسوبا أكثر على الكتلة التي تقودها المملكة العربية السعودية . ولعب دورا كبيرا في تشكيلة الهيئة العليا للمفاوضات في الرياض 2 ، وكان احد الداعمين لدخول منصة موسكو للهيئة ، وهو ما أعاد الشكوك حوله من جديد ، فيما يتعلق بصلته مع روسيا .
المجتمع الدولي "عاوز كدة "
ينتمي بدر جاموس إلى تيار بدأ يظهر في الائتلاف الوطني ، يقول : " المجتمع الدولي عاوز كده " .. وهذا التيار يتألف من عدد من الشخصيات ، بينهم نصر الحريري ، وهادي البحرة ، وجميعهم يدينون بالولاء للمملكة العربية السعودية ، ويأتمرون بتوجيهاتها .. ووجهة نظرهم أنهم لا يستطيعون معاندة المجتمع الدولي في رؤيته لحل الأزمة السورية ، كما أنه لا يمكن تجاوز السعودية ، كدولة داعمة للمعارضة ، وبالتالي ما المانع من الانحناء قليلا .. !
وقد بدأت تظهر نتائج هذا التوجه ، فيما تلا مؤتمر الرياض2 ، من أحداث ، تمثلت بتوغل النظام وروسيا ، على المناطق المعارضة ، وإعادة السيطرة عليها ، وبالذات حول دمشق ، مقابل صمت الائتلاف ، وعدم تحركه ، بالإضافة ، إلى صمته على التوغل التركي في الأراضي السورية ، وصمته كذلك على عمليات التهجير الكبيرة ، ثم أخيرا رضوخه لحضور جولة جديدة من مفاوضات جنيف ، وهو يعلم أنه سيذهب إليها ، عاريا من أي مصدر قوة .. ما يعني أنه سيقبل هذه المرة ، بكل ما يتم فرضه عليه .
نهاية القول
بحسب الكثير من المراقبين وممن عملوا مع بدر جاموس عن قرب ، فإنه من الصعب الشك بولائه للثورة ، وعمله من أجلها ، لكن طبيعة الرجل وعمله السابق مع النظام ، أكسبه الكثير من خصائصه ، بحيث يشعرك في البداية أنه شخص غير مريح .. فهو من النوع المراوغ ، والذكي ، والذي لا يسمح لك ، بأن تتشاطر عليه ، أو تحصره في زاوية .. كما أنه متحفز على الدوام للرد والكلام .. وكل ذلك من العوامل التي لا تجعلك تسعى للاقتراب منه ، وربما تشك بسلوكه وانتمائه ..
لكن من جهة ثانية ، يتحمل بدر جاموس والمجموعة التي استولت على قيادة الائتلاف ، مسؤولية حالة التردي التي وصل إليها ، لأنهم بالأساس لعبوا دورا في تهميش القيادات المهمة والمؤثرة فيه ، و صمتوا على إخراجهم من المواقع القيادية والفاعلة ، وانفردوا لوحدهم في قيادة العمل السياسي ، وأصبحوا لعبة بيد الدول ، تحركهم كيفما تشاء ..
وكل ذلك يحملهم مسؤولية كبيرة فيما وصلت إليه أوضاع المعارضة من بؤس، فلولا أنهم مرنون ، لما استبقت عليهم الدول الكبرى ، واستبعدت الآخرين ..
وربما هذا هو فحوى الكلام ..
فؤاد عبد العزيز