loader

من داريا إلى إدلب... قصة حب فرقها النزوح والمجتمع ( من قصص الحب و الحرب )

من داريا إلى إدلب... قصة حب فرقها النزوح والمجتمع

فرّقت الحرب خلال سنوات آلاف السوريين عن بعضهم، وجعلتهم في بحث مستمر ليس فقط عن ذواتهم التائهة وإنما عن الأحباب المفقودين، الذين صنعوا معهم ذكريات مميزة عصية عن النسيان.

محمد عثمان، 29 عاماً، أحد الذين فقدوا جزءاً من قلبه، عندما ضاع منه حبّه المرسوم على جدران مدينة داريا من فتاة لم يكن مقدراً أن يلتقيا سوى عندما أصبح لكل منهما عائلته الخاصة.
 
ثائرة وعاشقة
 
آية، هي الفتاة التي أحبها محمد عثمان، عندما بدأت الثورة بالاشتعال في سوريا عام 2011، وتصاعد معها الحراك في مدينته داريا.

يقول عثمان لـ"روزنة": "كنت أنا من الذين شاركوا في الحراك، وفي التنسيق أحياناً، وفي أحد المظاهرات جاءت إلي فتاة تطلب مني أن أعطيها لافتة مكتوب عليها شعارات مناهضة للنظام لحملها، وتكرر بعدها طلبها في أكثر من مظاهرة".

كانت آية أكثر جرأة من محمد – على حد قوله – عندما طلبت في إحدى المظاهرات رقم هاتفه بغرض التنسيق لمظاهرة نسائية ليلية، وعندما انتهت تلك المظاهرة اتصلت به وأخبرته بأنها تحبّه.

كانت مفاجأة بالنسبة لمحمد، لكن المفاجأة الأكبر عندما علم بأنها كانت شقيقة أحد مؤيدي النظام السوري، ممن لم يحملوا السلاح في وجه الثائرين، ورغم ذلك بقيا على اتصال واتضح أن محمد يبادلها ذات الشعور.
 
يتابع محمد "كانت تخرج سراً من المنزل لحضور المظاهرة وتراني في الوقت ذاته".
 
محاولات فاشلة
 
كان يبدو كل شيء مثالياً في علاقتهما وأنهما متجهين إلى لقاءات أكثر وعلاقة أقوى إلى أن حدث ما لم يحسب له محمد حساب.

يوضح محمد "كنت أنتظر مجيئها الى المظاهرة كما تعوّدتُ كي أراها، لكنّ فجأة انقطعت آية عن الاتصال والحضور، وعلمت من صديقتها أن شقيقها علم بعلاقتنا، وأننا نلتقي مع بعض أثناء المظاهرات، فسجنها في منزلها وأخذ هاتفها المحمول".
 
"ما كان علي إلا أن أتقدم بطلبها للزواج بشكل رسمي" يقول عثمان، ويردف: "علماً أن عائلتي عارضت الزواج بسبب تأييد شقيقها للنظام، فذهبت برفقة أحد أقاربي إلى منزلهم، لكن شقيقها طردنا ولم يقبل طلبي للزواج منها".

لم يستمر رفض شقيق آية، إذ قتل بعد أكثر من عامين إثر غارة للطيران المروحي استهدفت سوق مدينة داريا.

يردف محمد "عاودت طلب يدها من أمها، فطلبت التأجيل ريثما يهدأ وضع المدينة قليلاً".

كان على محمد أيضاً واجب آخر عندما اشتدت المعارك في مدينته، وأصبح مضطراً للحاق بجبهات القتال للدفاع عما يقول عنه "معشوقتي الثانية داريا".

اضطرت للرحيل

في عام 2016، ترك الكثير من أهالي داريا مدينتهم ورحلوا إلى الشمال السوري ضمن اتفاقيات بين النظام والمعارضة، حينها كان محمد على موعد مع الفراق، عندما قررت آية الرحيل مع والدتها وأقاربها وطلبت منه أن يرافقها.

يقول محمد "رفضت الرحيل وقلت لها أنني سأخرج مع المقاتلين، وأن لقاءنا سيكون في إدلب".

ويتابع: "في اليوم التالي ذهبت مسرعا تاركاً مكان الجبهة لكي أودعها فوجدتها تميل برأسها على ذلك الزجاج داخل الباص، وما أن رأتني حتى ابتسمت، كانت يدها ترتجف حينما لامستها يدي خلف زجاج الباص الأخضر المشؤوم، وعيناها تفيضان بالدمع من ألم الفراق، كانت نظراتها تؤكد لي أنه الفراق، لكنه أقسى مما توقعت".

باحثاً عن الحبيبة

لم يَطل بقاء محمد في داريا، اضطر هو أيضاً للرحيل عنها بعد أن أصبحت خالية من السكان، وتوجّه إلى الشمال السوري أيضاً، إلى مدينة معرة النعمان تحديداً.

حاول البحث عن آية بالكثير من الوسائل لكن محاولاته باءت بالفشل إلى أن فقد الآمل بلقائها، وقرر أن يستقر في مدينة معرة النعمان بريف إدلب والعمل مع إحدى المنظمات التربوية بصفة مدرس رياضيات.

وفي منتصف عام 2019 وتحت ضغط الأهل، كما يقول، اضطر للزواج من فتاة عَرفت قصته مع آية، وأنجب منها طفلة صغيرة أسماها على اسم الحب الأول.

لقاء من جديد

نهاية عام 2019 اضطر محمد إلى النزوح من معرة النعمان تحت وطأة قصف النظام السوري، وتوجّه إلى جبال بلدة حرينوش في شمال إدلب حيث اضطر للمبيت في العراء مع آخرين، وبدأت المنظمات بمساعدة النازحين وهنا كانت المفاجأة.

يقول محمد لـ"روزنة": "حين توزيع أحد منظمات الإغاثية وجبات غذائية لنا، كان المجلس المحلي التابع للبلدة يفرق بين النساء والرجال، فبعد أن أخذت وجبات الطعام سمعت منادياً ينادي (آية)، فبدأ قلبي بالخفقان مسرعاً ووقفت عاجزاً عن المشي وعن النظر للخلف حتى".

ويضيف: "بعد أن قالت للمنادي (هون هون ليكني)، فقدت ما في يدي وذهبت مسرعاً اليها، وما إن رأتني حتى انهالت بالبكاء قائلة (أين أنت.. أين أنت)، كان بين ذراعيها طفل رضيع ربما هو ابنها".

قالت آية لمحمد "لقد زوجتني أمي لابن عمي دون علمي حتى، ولم تقبل أن نتجه إلى مدينة معرة النعمان بل توجهنا الى الريف الشرقي منها، وأخذت هاتفي المحمول وحرمتني هي وزوجي من مواقع التواصل الاجتماعي حتى لا أصل إليك، لم يخرج مني أي كلمة بل باتت دموعي تفصح عما يدور في داخلي، وأخبرتها أنني قد تزوجت أيضاً وأنجبت طفلة أسميتها آية، وحين سؤالي عن زوجها قالت إنه يسعى لتأمين منزل لنا في شمال إدلب".

كانت تفصل خيمة واحدة عن لقاء محمد بآية، تلك الخيمة التي نزح أهلها وآية لاحقاً عندما عَرف زوج آية بالحكاية وطلب التحضر للمغادرة. حينها ابتعد مجدداً الحبيبين، الذي أصبح حبّهما لا يتعدى مجرد ذكريات نقيّة خالصة.

وتتعرض أرياف إدلب لقصف مكثّف من قبل قوات النظام وروسيا، منذ أواخر نيسان الماضي، زادت وتيرته في تشرين الثاني الماضي، ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين، ونزوح عشرات الآلاف، رغم أنها مشمولة بالاتفاق الروسي التركي الذي يتضمن إيقاف القصف على المنطقة.
 
وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن عدد النازحين من الشمال السوري إثر التصعيد العسكري من قبل قوات النظام وروسيا بلغ أكثر من 830 ألف شخص منذ بداية كانون الأول.
 
وأردف قائلاً: "النساء والأطفال هم من بين الذين يعانون أكثر من غيرهم، ويشكلون حوالي 81 في المائة من النازحين حديثًا"، وتابع "الاحتياجات الإنسانية تتزايد و تتسبب حالة الطوارئ المستمرة في تعقيد الحالة الإنسانية الرهيبة أصلاً للناس في الشمال الغربي من سوريا، ويعد البحث عن المأوى هو أكثر الاحتياجات إلحاحًا".
 
وتندرج محافظة إدلب ضمن اتفاقية خفض التصعيد الذي توصلت له الدول الراعية لمؤتمر أستانة عام 2017، واتفاق المنطقة المنزوعة السلاح الموقع بين موسكو وأنقرة في أيلول عام 2018.